اسلوب الحوار مع الآخر عند الامام علي(عليه السلام) الخطبة الشقشقية مثالا

اسلوب الحوار مع الآخر عند الامام علي(عليه السلام) الخطبة الشقشقية  مثالا

                                                                                                             د. محمد فهد القيسي

المقدمة:

       من خلال معرفة اسلوب الشخص في حواره مع الآخر يمكن لنا تقييم شخصيته ومنهجه ,وكيما تكون دراسة سيرة الامام علي(عليه السلام) حية ومتواصلة وذات عبرة وعلاقة بواقعنا المعاش حاليا, الذي طغت عليه  لغة التكفير والاقصاء والقتل والالغاء, جاء هذا البحث ليوضح اسلوب الامام علي(عليه السلام)في حواره وموقفه من الآخر, وكيما نتعرف على موقفه من الآخر وبيان المنطلقات التي اعتمدها الامام في نقاشه وحواره وبيان موقفه منه.

   وسنأخذ لذلك مثال لذلك هو الخطبة الشقشقية, فالمعروف انها احدى خطب نهج البلاغة الذي جمع بواسطة الشريف الرضي وسميت بالشقشقية لأنه ورد في سياقها قول الامام علي(عليه السلام): (انها شقشقة هدرت ثم قرت).

   ولهذه الخطبة اهمية خاصة ذلك لأنها تنقل وجهة نظر الامام علي(عليه السلام)حول  مسألة الخلافة وكيف  كان موقفه من ذلك, وسنعمد في بحثنا هذا الى مناقشة المحاور الاتية:

اولا -  نص  الخطبة الْمَعْرُوفَةُ بِالشِّقْشِقِيَّة.

 ثانيا – مدى صحة ونسبة هذه الخطبة للإمام علي(عليه السلام).

 ثالثا – حوار الامام مع الخليفة الاول وموقفه منه.

 رابعا – حوار الامام مع الخليفة الثاني وموقفه منه.

خامسا – حوار الامام مع الخليفة الثالث وموقفه منه.

 سادسا – حوار الامام مع من بايعه من المسلمين.

 

اولا -  نص  الخطبة الْمَعْرُوفَةُ بِالشِّقْشِقِيَّة:

للتعرف على موضوع البحث نمهد له  بعرض للخطبة الشقشقية التي اختيرت  مثالا للبحث: 

  (أمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا  فلان وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَ لَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَ طَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَ يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَ يَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّه.

       فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذًى وَ فِي الْحَلْقِ شَجًا أَرَى تُرَاثِي نَهْباً حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى ابن الخطاب بَعْدَهُ ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى: شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا  وَ يَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ فَيَا عَجَباً بَيْنمَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا وَ يَخْشُنُ مَسُّهَا وَ يَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا وَ الِاعْتِذَارُ مِنْهَا فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَ إِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ فَمُنِيَ النَّاسُ َعَمْرُ اللَّهِ بِخَبْطٍ وَ شِمَاسٍ وَ تَلَوُّنٍ وَ اعْتِرَاضٍ فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ وَ شِدَّةِ الْمِحْنَِ حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ فَيَا لَلَّهِ وَ لِلشُّورَى مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ َسَفُّوا وَ طِرْتُ إِذْ طَارُوا فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ وَ مَالَ الآخر لِصِهْرِهِ مَعَ هَنٍ وَ هَنٍ إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ وَ قَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ وَ أَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَ كَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَ النَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وَ شُقَّ عِطْفَايَ مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَ مَرَقَتْ أُخْرَى وَ قَسَطَ آخَرُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ تِلْكَ الدَّارُ الآخرةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بَلَى وَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَ وَعَوْهَا وَ لَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَ رَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا أَمَا وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَ قِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَ لَا سَغَبِ مَظْلُومٍ لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَ لَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا وَ لَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ قَالُوا وَ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ فَنَاوَلَهُ كِتَاباً قِيلَ إِنَّ فِيهِ مَسَائِلَ كَانَ يُرِيدُ الْإِجَابَةَ عَنْهَا فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ (فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ)قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوِ اطَّرَدَتْ خُطْبَتُكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ فَقَالَ هَيْهَاتَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَوَاللَّهِ مَا أَسَفْتُ عَلَى كَلَامٍ قَطُّ كَأَسَفِي عَلَى هَذَا الْكَلَامِ أَلَّا يَكُونَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع بَلَغَ مِنْهُ حَيْثُ أَرَادَ).

      قال الشريف رضي اللّه عنه قوله(عليه السلام)كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحم يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام و هي تنازعه رأسها خرم أنفها و إن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها يقال أشنق الناقة إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه و شنقها ,أيضا ذكر ذلك ابن السكيت في إصلاح المنطق و إنما قال أشنق لها و لم يقل أشنقها لأنه جعله في مقابلة قوله أسلس لها فكأنه ع قال إن رفع لها رأسها بمعنى أمسكه عليها)(1).

 

ثانيا – مدى صحة ونسبة هذه الخطبة للإمام علي(عليه السلام)(2).

     اثير كثير من الكلام حول مدى صحة نسبة كتاب نهج البلاغة للإمام علي(عليه السلام),  وبما ان هذا الموضوع ليس من اختصاص بحثنا هذا لكن نذكر فيما يأتي مايخص صحة نسبة الخطبة الشقشقية للإمام علي(عليه السلام):

     ذكر ابن سلام في غريب الحديث، وابن الاثير في النهاية قال: (ومنه حديث علي في خطبة له: « تلك شقشقة هدرت، ثم قرّت »).

    وقد تتبع ذلك الشيخ الأميني رحمه الله في الغدير: 7 /82، وج 4 /197، و الشيخ المحمودي في نهج السعادة: 2 /512.

     قال الشيخ الأميني رحمه الله في الغدير: 7 /82 حول هذه الخطبة:«هذه الخطبة تسمى بالشقشقية، وقد كثر الكلام حولها، فأثبتها مهرة الفن من الفريقين، ورأوها من خطب مولانا أمير المؤمنين الثابتة التي لا مغمز فيها، فلا يُسمع إذن قول الجاهل بأنّها من كلام الشريف الرضي، وقد رواها غير واحد في القرون الأولى قبل أن تنعقد للرضي نطفته، كما جاءت بإسناد معاصريه والمتأخرين عنه من غير طريقه، وإليك اُمّة من اُؤلئك:

1 ـ الحافظ يحيي بن عبد الحميد الحماني، المتوفّى 228، كما في طريق الجلودي في العلل والمعاني.

2 ـ أبو جعفر دعبل الخزاعي، المتوفّى 246، رواها بإسناده عن ابن عبّاس، كما في أمالي شيخ الطائفة/237، ورواها عنه أخوه أبو الحسن علي.

3 ـ أبو جعفر أحمد بن محمّد البرقي، المتوفّى 274 / 80، كما في علل الشرائع.

4 ـ أبو علي الجبائي شيخ المعتزلة، المتوفّى 303، كما في الفرقة الناجية للشيخ إبراهيم القطيفي، والبحار للعلامة المجلسي 8: 161.

5 ـ وجدت بخط قديم عليه كتابة الوزير أبي الحسن علي بن الفرات، المتوفّى 312، كما في شرح ابن ميثم.

6 ـ أبو القاسم البلخي أحد مشايخ المعتزلة، المتوفّى 317، كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 /69.

7 ـ أبو أحمد عبد العزيز الجلودي البصري، المتوفّى 332، كما في معاني الأخبار.

8 ـ أبو جعفر ابن قبة تلميذ أبي القاسم البلخي المذكور، رواها في كتابه (الإنصاف) كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 69 وشرح ابن ميثم.

9 ـ الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني، المتوفّى 360، كما في طريق القطب الراوندي في شرح نهج البلاغة.

10 ـ أبو جعفر ابن بابويه القمي، المتوفّى 381، في كتابيه: علل الشرائع ومعاني الأخبار.

11 ـ أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري، المتوفّى 382، حكى عنه شيخنا الصدوق شرح الخطبة في معاني الأخبار والعلل. 

(لفت نظر): عده السيد العلامة الشهرستاني في: (ما هو نهج البلاغة)  /22، ممّن روى الشقشقية، فأرخ وفاته بسنة 395، وذكره في/23 فقال: « من أبناء القرن الثالث. لا يتم هذا ولا يصح ذاك، وقد خفي عليه أنّ الحسن بن عبد الله العسكري راوي الشقشقية هو: أبو أحمد صاحب كتاب الزواجر، وقد توفّي سنة 382 وولد 293، وحسبه أبا هلال الحسن بن عبد الله العسكري صاحب كتاب « الأوائل » تلميذ أبي أحمد العسكري، والتاريخ الذي ذكره تاريخ فراغه من كتابه (الأوائل) لا تاريخ وفاته ». توجد ترجمة كلا الحسنين العسكريين في: معجم الاُدباء 8: 233 ـ 268، وبغية الوعاة/221.

12 ـ أبو عبد الله المفيد، المتوفّى 412، اُستاذ الشريف الرضي، رواها في كتابه (الإرشاد)/135.

13 ـ القاضي عبد الجبار المعتزلى، المتوفّى 415: ذكر في كتابه (المغنى) تأويل بعض جمل الخطبة ومنع دلالتها على الطعن في خلافة من تقدم على أمير المؤمنين من دون أي إيعاز إلى الغمز في إسنادها.

14 ـ الحافظ أبو بكر ابن مردويه، المتوفّى 416، كما في طريق الراوندي في شرح النهج

15 ـ الوزير أبو سعيد الآبي، المتوفّى 422، في كتابه: (نثر الدرر ونزهة الأديب).

16 ـ الشريف المرتضى أخو الشريف الرضي الأكبر، توفّي سنة 436، ذكر جملة منها في الشافي/203 فقال: مشهور. وذكر صدرها في/204 فقال: معروف.

17 ـ شيخ الطائفة الطوسي، المتوفّى 460، رواها في أماليه/327 عن السيّد أبي الفتح هلال بن محمّد بن جعفر الحفار، المترجم في مستدرك العلامة النوري 3: 509 من طريق الخزاعيين. وفي تلخيص الشافي.

18 ـ أبو الفضل الميداني، المتوفّى 518، في مجمع الأمثال/383، قال: (ولأمير المؤمنين علي رضي الله عنه خطبة تعرف بالشقشقية ؛ لأنّ ابن عباس رضي الله عنهما قال: «  له حين قطع كلامه: يا أمير المؤمنين ! لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت. فقال: هيهات يا بن عبّاس ! تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت »).

19 ـ أبو محمّد عبد الله بن أحمد البغدادي، الشهير بابن الخشّاب، المتوفّى 567، قرأها عليه أبو الخير مصدق الواسطي النحوي، وسيوافيك بعيد هذا كلامه فيها.

20 ـ أبو الحسن قطب الدين الراوندي، المتوفّى 573، رواها في شرح نهج البلاغة من طريق الحافظين: ابن مردويه، والطبراني.

« وقال: أقول: وجدتها في موضعين تاريخهما قبل مولد الرضي بمدة:

أحدهما: أنّها مضمنة كتاب « الانصاف » لابي جعفر ابن قبة، تلميذ أبي القاسم الكعبي أحد شيوخ المعتزلة، وكانت وفاته قبل مولد الرضي.

الثاني: وجدتها بنسخة عليها خط الوزير أبي الحسن علي بن محمّد بن الفرات، وكان وزير المقتدر بالله، وذلك قبل مولد الرضي بنيف وستين سنة، والذي يغلب على ظني أنّ تلك النسخة كانت كتبت قبل وجود ابن الفرات بمدة ».

21 ـ أبو منصور الطبرسي، أحد مشايخ ابن شهر اشوب ـ المتوفّى 588 ـ في كتابه « الاحتجاج » /95، فقال: « روى جماعة من أهل النقل من طرق مختلفة عن ابن عباس».

22 ـ أبو الخير مصدق بن شبيب الصلحي النحوي، المتوفّى 605، قرأها على أبي محمّد ابن الخشّاب وقال: « لما قرأت هذه الخطبة على شيخي أبي محمّد ابن الخشاب.... الخ ».

23 ـ مجد الدين أبو السعادات ابن الاثير الجزري، المتوفّى 606، أوعز إليها في كلمة « شقشق » في النهاية: 2: 294، فقال: (ومنه حديث علي في خطبة له: « تلك شقشقة هدرت ثمّ قرت »).

24 ـ أبو المظفر سبط ابن الجوزي، المتوفّى 654، في تذكرته/73، من طريق شيخه أبي القاسم النفيس الأنباري باسناده عن ابن عبّاس، فقال: « تعرف بالشقشقية، ذكر بعضها صاحب نهج البلاغة وأخل بالبعض، وقد أتيت بها مستوفاة. ثمّ ذكرها مع اختلاف ألفاظها ».

25 ـ عز الدين ابن أبي الحديد المعتزلي، المتوفّى 655، قال في شرح النهج 1: 69: « قلت: وقد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي، إمام البغداديين من المعتزلة، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة. ووجدت أيضاً كثيراً منها في كتاب أبي جعفر ابن قبة، أحد متكلمي الإمامية، وهو الكتاب المشهور بكتاب « الانصاف »، وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي رحمه الله تعالى، ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضي رحمه الله تعالى موجوداً ».

26 ـ كمال الدين ابن ميثم البحراني، المتوفّى 679: « حكاها عن نسخة قديمة عليها خط الوزير علي بن الفرات، المتوفّى 312، وعن كتاب« الانصاف » لابن قبة، وذكر كلمة ابن الخشاب المذكورة، وقراءة أبي الخير إياها عليه ».

27 ـ أبو الفضل جمال الدين ابن منظور الأفريقي المصري، المتوفّى 711، قال في مادة (شقشق) من كتابه (لسان العرب): 12: 53: (وفي حديث علي رضوان الله عليه في خطبة له: « تلك شقشقة هدرت ثمّ قرت »).

28 ـ مجد الدين الفيروزآبادي، المتوفّى 816 / 17، أوعز إليها في القاموس: 3: 253، قال: (والخطبة الشقشقية العلوية ؛ لقوله لابن عباس ـ لما قال له:« لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت ـ: يا بن عباس ! هيهات تلك شقشقة هدرت ثمّ قرت »).

       وقال الشيخ المحمودي في نهج السعادة: 2 /512: «  ليُعلم أنّ الخطبة الشريفة قد رواها جماعة كثيرة من علماء السنة والإمامية، ومن عجائب الدهر أنّه مع كثرة الدواعي على إخفاء أمثال هذا الكلام، واستقرار ديدنهم على تغطيته وستره، وتمزيق أصله وإحراق مصادره، ومع ذلك كله قد تجلّى في اُفق كتب كثير من أهل الإنصاف من علماء أهل السنة، وتلألأ بدره التام بحيث ينفذ شعاعه في حاسة العميان فضلا عن أهل البصائر والضمائر.. ».

فرواها الحافظان: ابن مردويه، والطبراني ـ كما يأتي ـ.

ورواها ابن الخشاب عبد الله بن أحمد، واعترف بأنّها من كلام أمير المؤمنين(عليه السلام)وأنّه وجدها في كتب العلماء وأهل الأدب بخطوطهم قبل أن يُخلق الرضي بمائتي سنة، كما ذكره عنه ابن أبي الحديد في شرح الخطبة.

   وكذلك ذكر ابن أبي الحديد في الشرح:: 1 /69: أنّه وجد كثيراً من ألفاظ الخطبة في تصانيف إمام البغداديين من المعتزلة الشيخ أبي القاسم البلخي.

   وأيضا رواها سبط ابن الجوزي يوسف بن قزغلي الحنفي في أوّل الباب السادس من كتاب تذكرة الخواص/133، عن شيخه أبي القاسم النفيس الأنباري، ثمّ ذكر الخطبة بما يستفاد منه تعدد الطرق لها.

   ورواها أيضاً الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، المتوفّي عام 382، كما رواها عنه الشيخ الصدوق في علل الشرائع ومعاني الأخبار، وكذلك العلامة الحلي في المطلب الخامس من كتاب كشف الحق:: 2 /40، وكذلك نقلها عنه في المقدمة الثالثة من كتاب الدرجات الرفيعة،/37.

   ورواها أيضاً أبو علي الجبائي وأبو هلال العسكري الحسن بن عبد الله بن سهل، المتوفّي بعد سنة 395، في كتاب الأوائل، كما نقل عنه في إحقاق الحق، نقلاً عن هدية الأحباب.

   وكثيراً منها ذكره الأدباء واللغويون ؛ فذكر قطعا منها في مادة: « جذ »، و «  حذ »، و « حضن »، و « نفج »، و« نفخ »، و« شقشق » من القاموس، ولسان العرب، وتاج العروس، ومجمع الأمثال: /169.

   وقطعا كثيرة منها ذكرها ابن الأثير في النهاية ؛ فانظر منه المواد التالية: « جذ »، و« حذ »، و« حضن »، و« نفج »، و« نفخ »، و« نثل »، و« خضم »، و« شقشق »، و« عفط »، و« حلأ »، و « سفف »، و« شنق ».

    وقال الفيروزآبادي في مادة: « شقق » من كتاب القاموس: والخطبة الشقشقية العلوية ؛ لقوله لابن عباس ـ لما قال له: « لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت ـ: يا بن عباس هيهات تلك شقشقة هدرت ثمّ قرت ! ! !».

     وقال في باب الاستعانة من الجزء الثالث من كتاب تحرير التحبير،/383: « وأمّا الناثر فإن أتى في أثناء نثره ببيت لنفسه سمّى ذلك: تشهيراً، وإن كان البيت لغيره سُمّي: استعانة، كقول علي(عليه السلام)في خطبته المعروفة بالشقشقية: [ فيا عجبا ] بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته [ ثمّ قال]:

شتان ما يومي على كورها                    ويوم حيان أخي جابر

فهذا البيت للأعشى، استعان به علي(عليه السلام)كما ترى ».

 

ثالثا – حوار الامام مع الخليفة الاول وموقفه منه:

      يذكر الامام ان الخلافة بعد رسول الله تقمصها شخص رمز اليه الامام ب(فلان) وهذا ادب عالي واسلوب راقي في الحوار , فالكل يعرف  من المقصود ب (فلان) ويذكر الشيخ محمد عبده  ان (فلان) كناية عن الخليفة الاول(3).

  وهذا درس وعبرة لكل من يدلي بدلوه في الوقت الحاضر كمحاور ومناقش في مجال الاديان والمذاهب, اذ يجب عليه الترفع والابتعاد عن لغة السب والقذف والتشهير ,كما يجب ان يلتزم بآداب الحوار والنقاش وان يركز على الفكرة والمضمون دون التركيز على  النيل من الاشخاص والصفات.

     وعمد الامام في اسلوب راقي من الحوار الى اتباع منهج ابراز فضيلة  القائل وبالتالي يُعرف ان الشخص المعني بالمقارنة هو مفضول فقال: انه يعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر مني السيل ولا يرقى الي الطير, اي ان الشخص الذي تولى الخلافة يعلم في قرارة نفسه انه مفضول بوجود الافضل وان لدى الامام علي(عليه السلام)من الصفات ما ليس عنده.

     وعندما لم ينجح الامام في ثني المقابل عن موقفه في ذلك لم يلجأ الى  عنف مدمر ,او سب او تجاوز في الحدود بل اكتفى ببيان موقفه منه قائلا:

   (فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا)(4) اي ان الامام كان ملفتا في حواره ان لا يؤدي الى ضرر بيّن وواضح, بل عمل موازنة دقيقة بين الضرر والفائدة.

   فغّلب الامام(عليه السلام)الضرر الذي يلحقه بشكل شخصي على الضرر الذي يلحق بالأمة ككل , وفي هذه  عبرة  لمن يستسهل في الوقت الحاضر شق عصا المسلمين في سبيل اهداف سياسية وشخصية ضيقة, وحافز لهم ان يكفوا عن ذلك ,وان يغلبوا المصلحة العليا للامة على المصالح الفئوية والجهوية والشخصية الضيقة.

    فقد اختار الامام الصبر على الاذى رغم كل ما يعانيه من ضرر واذى مقابل الحفاظ على وحدة المسلمين وبيضة الاسلام.

     ويؤكد الامام(عليه السلام)انه يرى تراثه وما ضحى في سبيله ينهب امامه ويتحكم به ,على الرغم ان الامتداد الرسالي للنبوة المتمثل بشخصه حرم من فرصته في اكمال المسيرة النبوية , الا انه صبر على ذلك وقدم الاهم فالاهم.

 

رابعا – حوار الامام مع الخليفة الثاني وموقفه منه:

    يذكر الامام في الخطبة ما نصه:( فَيَا عَجَباً بَيْنمَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ)(5) وهنا يستخدم الامام نفس الاسلوب في حواره مع الآخر بالتلميح دون التصريح , وفي ذلك مضامين عالية منها:

  • يراعي الامام مشاعر الآخرين, ولا يعمد الى مس ما يعتقدون به.
  • يلفت الامام عنايتنا(عليه السلام)الى التركيز على الحدث دون الاشخاص.
  • ان النقطة الاولى لا تعني ان الامام يتنازل عن واجبه في تبيان الحق , ولكنه يعمل موازنة دقيقة بين ما هو مكلف به بالتبليغ عنه وبين الواقع الذي يعيشه , لذا فان الامام في حواره وبيان موقفه من الآخر يذكر ما امكن له الظرف من الحادثة مع الحفاظ على جوهرها وروحها.

     ويستخدم الامام هنا اسلوب التفكير المنطقي في دحضه حجة الآخر فيستشهد بما قاله وثبت عن الخليفة الاول الذي يقول: (فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته اذ عقدها لآخر بعد وفاته)(6) وفي ذلك اشارة الى قول الخليفة الاول: (إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني! لا أقول إني أفضلكم فضلا، ولكني أفضلكم حملاً )(7) ,وهنا نقاش منطقي وحوار عقلاني مع الآخر حيث يقول له: (ياعجبا في حياتك تقول انا لست الافضل ويمكن ان يكون هناك شخص افضل مني, ولكن عندما يتعلق الامر بتسمية قائد للامة الاسلامية تنفرد براي واحد وتعين عليها شخص بعينه).

     ونحن في هذا البحث لا ندعي اننا نفسر كلام الامام(عليه السلام)او اننا نعرف مكنونات نفسه, ولكن يمكن القول ان ما يمكن لنا فهمه في هذه الخطبة في تناولها لأمر حساس ومهم جدا بين المسلمين وهو موضوع الخلافة, وفي هذا درس وعبرة لكل شخص يستسهل اسالة دماء المسلمين في الوقت الحاضر لهذا السبب ,فيكفر ويفجر ويدمر ويستبيح الحرمات , فصاحب العلاقة والشخص  المعني بها وهو الامام علي(عليه السلام)هذا منطقه وهذا اسلوبه في نقاش هذه المسألة:

   فيذكر الاشخاص تلميحا دون تصريح, ويلجأ معهم الى الاسلوب العلمي المنطقي الحضاري في الحوار.

   ويذكر الامام انه وبعد تولي الخليفة الثاني الخلافة بالتعيين دون الشورى عالج هذا الامر بالصبر فيقول:  ( فصبرت على طول المدة وشدة المحنة)(8).

 

خامسا – حوار الامام مع الخليفة الثالث وموقفه منه:

    يذكر الامام انه بعد ان مضى الثاني الى سبيله:(جعلها في جماعة زعم اني احدهم)(9)وهنا يستنكر الامام ذلك ويعلل هذا الانكار ان منزلة الامام لا يمكن ان تقاس بأشخاص جاءوا الى الاسلام من بعده وهذا لا يمكن لنا حمله على محمل التعالي والتفاخر فالإمام(عليه السلام)ابعد ما يكون عن ذلك , ولكن لتعلق الامر بالأمة الاسلامية ومصير الرسالة  يجب ان تسمى الامور بمسمياتها ويجب على الشخص ان يعلن كامل ما يملك من معلومات وادلة تخص ذلك كيف وان لنا اسوة بأمور اصغر من ذلك فمثلا ان الغيبة محرمة شرعا , وتعريفها هو: 

 أن يذكر الإنسان عيب الآخر وعمله في حال عدم حضوره بحيث لو سمعه ذلك الشخص لتألم وتأثر. وينقل الشيخ الأنصاري عن بعض كبار العلماء أنّ الإجماع والأحاديث الشريفة تدلّ على أنّ الغيبة في حقيقتها هي (ذكر أخاك بما يكره) في غيبته(10).

   ولكن لو تعلق الامر بفضح شخص يدعي الصلاح وهو غير ذلك عندما يستشيرنا احد في الزواج منه اوله , فيجب علينا قول الحقيقة دون الاكتراث بالغيبة   .

    ويذكر الامام(عليه السلام)انه لا شك في ان الخلافة له مع الاول والثاني فكيف بدئوا يقرنونه مع  صحابة اخرين وهم: عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن ابي وقاص ,والمعروف ان مبدأ التفاضل هو مبدأ قراني لم يبتدعه الامام علي(عليه السلام)فقد قال الله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض)(11) فالله جعل هناك تمايز وتفاضل بين الرسل وهم معصومون ومنزل عليهم الوحي فكيف بالصحابة وقسم كبير منهم غير معصوم.

     وحسب ما يفرضه العقل والمنطق لا تجوز ولاية المفضول بوجود الافضل ,وما احوجنا في هذه الظروف التي تمر بها امتنا الاسلامية ان نغلب لغة الحوار والمنطق على لغة التكفير والاقصاء والالغاء.

    وبرغم كل ما تقدم فقد خضع الامام للظروف التي مرت به ,ولم يشق عصا المسلمين عملا بروحيته المعروفة في الحفاظ على نسيج الامة ووحدتها وتماسكها, ويقينه ان الاسلام لا يزال غضا طريا , وان الاعداء لا زالوا يتربصون به , وهذا المنهج سار عليه ابناؤه من بعده, فمهما كان الاختلاف مع الآخر فمصلحة الاسلام تبقى هي العليا, ولدينا مثالان على ذلك:

الاول-  هو الامام علي بن الحسين بن علي الملقب بالسجاد(12) فبالرغم من ان الدولة الاموية قامت بقتل ابيه واهل بيته في معركة كربلاء المشهورة(13) الا ان السجاد(عليه السلام)يفرد في احد ادعيته  للدعاء لأهل الثغور(14) , وهو الدعاء السابع والعشرون  من الصحيفة السجادية  , وهذا يدل على ان علاقة الائمة بالآخر لم تكن علاقة مبنية على المواقف الشخصية ,فحتى لو كان الآخر قاتلا لابي الامام السجاد فالإمام(عليه السلام)يقدم مصلحة الامة والرسالة الاسلامية على اموره الشخصية.

الثاني -موقف الامام الصادق من صلوات الجماعة التي تقام في الحرم المكي في مواسم الحج اذ يحث الامام اصحابه على عدم التخلف عنها عند انعقادها  والائتمام بالإمام هناك, ومرد ذلك حرص الامام على ان يعطي انطباع عند اعداء الاسلام ان المسلمين وحدة واحدة غير قابلة للتقسيم في صلواتهم وفي موسم حجهم , وهذا بحق دليل على الشعور العالي بالمسؤولية تجاه الامة , والترفع عن الامور الجزئية في سبيل امور اعلى واهم.

     ولدينا في الوقت الحاضر امثلة لفقهاء يفتون بذلك ومثال ذلك:

 السيد الخميني  اذ يفتي:(إذا انعقدت الجماعة في المسجد الحرام أو مسجد النبي لا يجوز للمؤمنين الخروج، وعليهم عدم التخلّف عن الجماعة، وأن يُصلّوا الجماعة مع باقي المسلمين)(15)

   و الشيخ ناصر الشيرازي يفتي: (الجماعة مع أهل السنة والمشاركة في جماعاتهم في أيام الحج من المستحبات المؤكدة، ومما يوجب تقوية شوكة المسلمين وتوحيد صفوفهم أمام الأعداء، وقد وردت تأكيدات كثيرة في أحاديث أهل البيت المعصومين عليهم السلام على ذلك.والحق أن هذه الصلاة تجزئ عن الصلاة الواجبة ولا حاجة إلى الإعادة، وينبغي متابعتهم في مسألة الوقت وما شابه ذلك مثل السجود على بلاط المسجد، لأن جميع هذه الصخور المفروشة يجوز السجود عليها).(16)

     وبالعودة الى الامام علي(عليه السلام)وحواره مع الآخر فقد سار الامام وفقا لشروط الشورى رغم عدم  قناعته  , والسبب في ذلك كي لا يقال عنه انه شق عصا المسلمين , ويقينه ان الامة سائرة في اتجاه معين لا يمكن ردها عنه ,وملخص قضية الشورى ان الخليفة الثاني اوصى ان الشورى بين ستة نفر وهم الذين اسلفنا اسمائهم, واوصى ان لا تطول مدة الشورى فوق ثلاثة ايام وان لا يأتي اليوم الرابع الا و لهم امير, واذا كان هناك خلاف بينهم فيكونوا مع الفريق الذي يكون فيه عبد الرحمن بن عوف (17).

     ويذكر الامام ما جرى في الشورى بقوله:(فصغى رجل منهم لضغينته ومال الآخر الى صهره)(18). ويذكر الشيخ  محمد عبده ان الذي اصغى الى ضغنه هو سعد بن ابي وقاص والذي مال الى صهره هو عبد الرحمن بن عوف(19).

    وبعد استتباب الامر الى الخليفة الثالث واتفاق المسلمين عليه لم يأل الامام جهدا في خدمة الامة الاسلامية , واسلم القياد للخلافة الجديدة حفاظا على وحدة الامة, وانصياعا لما اتفق المسلمون عليه.

    على الرغم من ان بعض الصحابة انكروا على عبد الرحمن بن عوف ذلك ومنهم المقداد بن الاسود الكندي حيث قال لعبد الرحمن بعد مبايعته للخليفة الثالث:) والله لقد تركت عليا وانه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون) فقال عبد الرحمن:(يا مقداد لقد تقصيت الجهد للمسلمين) فقال المقداد:  (والله اني لأعجب من قريش انهم تركوا رجلا ما اقول ولا اعلم ان رجلا اقضى بالحق ولا اعلم به منه) فقال عبد الرحمن:(يا مقداد اني اخشى عليك الفتنة فاتق الله)(20).

     ثم يكمل الامام(عليه السلام)سياقه في الحوار مع  الآخروبيان حالته مع الخليفة الثالث فيقول: (وقام معه بنو امية يخضمون مال الله خضم الابل نبتة الربيع الى ان انتكث قتله واجهز عليه عمله وكبت به بطانته)(21).

    ويشير الامام الى ان الخليفة الثالث قد تبطنته بطانة سوء وهم الذين اودوا به ,ومن ثم فالإمام في حواره مع الآخر يحفظ لكل ذي حق حقه , فهو لم يتهم الخليفة الثالث شخصيا ولكن رمى باللوم على بطانته ,فالمعروف عن الخليفة الثالث وداعته وعبادته ودماثة اخلاقه وسيرته بالرفق(22), وصلته للرحم حتى ولو كان غير مستحق للصلة ,فارجع الحكم بن العاص وابنه مروان الى المدينة بعد ان طردهم الرسول منها. ولذلك فالإمام لم ينل منه بسوء بل اشر على موطن الخلل المتمثل ببطانة السوء.

   وهذا الرأي للإمام  علي(عليه السلام)من يؤيده من الجانب الآخر حيث يروى ان عبد الرحمن بن عوف لما حدث ما حدث في ايام عثمان بن عفان من قيام الاحداث في ولايته في ولاية الامصار ووجد عليه كبار الصحابة قيل لعبد الرحمن بن عوف هذا عمل يديك فقال ما كنت اظن هذا به ولكن لله علي ان لا اكلمه ابدا , ثم  مات  عبد الرحمن بن عوف وهو مهاجر للخليفة الثالث, حتى ان عثمان بن عفان دخل عليه في مرضه يعوده فتحول الى الحائط لا يكلمه (23).

 

سادسا – حوار الامام(عليه السلام)مع من بايعه من المسلمين:

    يذكر الامام علي(عليه السلام) ان المسلمين بعد مقتل الخليفة الثالث  انثالوا عليه كي يعلنوا له البيعة , حتى لقد داسوا الحسنين في خضم هذه الفورة , وعندما قبل الامام بيعتهم لم يصف له الود من جماعة من المسلمين فانقسموا تجاهه الى ثلاثة فرق:

 فمنهم من نكث البيعة وهم اصحاب الجمل, ومنهم من مرق من الدين وهم الخوارج ,ومنهم ظلموا انفسهم وهم اصحاب صفين الذين قاتلوه فيها.

     وبرغم كل هذه الاختلافات فقد تعامل الامام(عليه السلام)مع كل فرقة منهم معاملة عقلانية قائمة على المعالجة الشاملة دون اللجوء الى الثارات او الاحقاد الشخصية , فقد نهى عن سلب اصحاب الجمل  , كما نهى عن سب اصحاب صفين.

      وهذا يدل على رقي في اسلوب الحوار عند الامام(عليه السلام), وان الضابطة في الحوار عنده هي تحقيق مصلحة الاسلام ,وحفظ بيضة الدين دون الالتفات الى الامور الشخصية او الاعتبارية.

   ويعلل الامام الاسباب التي دفعت ببعض المسلمين الى محاربته بالاتي:

  • حب الدنيا وحلاوتها في اعينهم.
  •  حبهم لزخارفها وزينتها(24).

   ثم يذكر الامام(عليه السلام)في نهاية الخطبة انه لولا وجود الحجة على العلماء ان لا ينصروا ظالما, ولا يأخذوا رزق جائع لتصرف الامام تصرف من لا يأبه بهذه الدنيا ولا يهتم بكل مراتبها ودرجاتها.

 

الاستنتاجات

  • من خلال ما وضحناه من موقف الامام علي مع الصحابة الآخرين في قضية الخلافة ,نلحظ كيف كان الصحابة الاوائل يتصرفون في حل مشاكلهم, وكيف كانوا  يسيرون وفقا للمصالح العليا للإسلام.
  • يمكن ان نستنتج من هذا الموقف ان الصحابة كانت تختلف وجهات النظر بينهم,ولا يمكن ان نجعل بعض الاختلافات بين  الامام علي وبين  الخلفاء سببا للفرقة وسفك الدماء في الوقت الحاضر.

 

الهوامش

  1. نهج البلاغة , شرح محمد عبده, دار المعرفة , بيروت , ج1, ص30-38.
  2. علي الكوراني , موقع العقائد الاسلامية الالكتروني.
  3. نهج البلاغة , شرح محمد عبده ,  , ص31.
  4. المصدر نفسه, ص31.
  5. المصدر نفسه , ص 32
  6. المصدر نفسه , ص32
  7. اليعقوبي , تاريخ اليعقوبي ,ج1 , ص155.
  8. نهج البلاغة ,شرح محمد عبده ,ص33.
  9. المصدر نفسه , ص33.
  10. الشيخ الأنصاري , المكاسب، كتاب المكاسب المحرمة،  ص41.
  11. سورة البقرة: اية253.
  12. السجاد: علي بن الحسين السجاد (38هـ - 95 هـ)، ولد في المدينة يوم الجمعة 5 شعبان 38 هـ، اشتهر بزين العابدين وهو الإمام الرابع لدى الشيعة بكل طوائفهم  و له عده ألقاب منها ذو الثفنات و زين الصالحين و منار القانتين.
  13. معركة كربلاء:  وتسمى أيضاً واقعة الطف هي ملحمة وقعت على ثلاثة أيام وختمت في 10 محرم سنة 61 للهجرة والذي يوافق 12 أكتوبر 680م،   وكانت بين الحسين بن علي بن أبي طالب ابن بنت نبي الإسلام، محمد بن عبد الله، الذي أصبح المسلمون يطلقون عليه لقب "سيد الشهداء" بعد انتهاء المعركة، ومعه أهل بيته وأصحابه، وجيش تابع ليزيد بن معاوية.
  14. الثغور: مفردها الثغر وهو كل موضع قريب من أرض العدو، ولذا فإنَّ مواقع الثغور تتبدَّل تبعاً لامتداد الدولة أو تقلصها، والثغور منها برية ومنها بحرية ومنها ما يجتمع فيه الأمران معاً كأنطاكية مثلاً. 
  15. الخميني, مناسك الحج  , تعليق  الشيخ الأراكي , ص 275.
  16. ناصر الشيرازي , مناسك الحج , ص 181.
  17. السيوطي , تاريخ الخلفاء , ص62.
  18. شرح نهج البلاغة, ص 35
  19. المصدر نفسه, ص 35.
  20. المصدر نفسه , ص35.
  21. المصدر نفسه , ص35.
  22. ابن عبد البر, الاستيعاب في معرفة الأصحاب,ج1, ص329.
  23. محمد عبده , شرح نهج البلاغة , ص35.
  24. المصدر نفسه , ص36.

 

ملاحظة/ هذا البحث: القي في مهرجان الغدير العالمي الاول في العتبة العلوية المقدسة سنة 2012م.

 

خلاصة البحث بالانكليزي

Style of dialogue with others when Imam Ali (AS) sermon Alshqshqih example

 

ABSTRACT     

        By knowing the style of the person in his dialogue with the other we can assess his personality and approach, and so the study of biography of Imam Ali (AS) is alive and sustained, with a lesson and do our reality pension now, which was overshadowed by the language of atonement and exclusion, murder and cancellation, came this search to explain the style of Imam Ali (p) in his dialogue and the position of the other, and in order to know the position of the other and premises statement adopted by the Imam in his discussion and dialogue and a statement of the position we will take the example of this is sermon Aslhqshqih, is well known it is one of the speeches Nahj collected by Sharif Razi                                                                 

           This sermon is particularly important because they convey the point of view of Imam Ali (AS) on the eligibility of succession and how was his position                                     .

                                     We will in our research to discuss the following topics                                                                                           

        First - the text of the sermon known  Aslhqshqih.                

        Secondly - the validity and the proportion of this sermon of Imam Ali (AS).

        Thirdly - dialogue forward with the first caliph and his position from him.     

         Fourthly - dialogue forward with the second Caliph and position.                                                                               

    V - forward dialogue with allied third position from him

    VI - dialogue forward with   Muslims.